الرئيسيةمكتبة الصورس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 حديث الشيخ " الحلقة الرابعة "

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
faresaly
)* ادارى *(
)* ادارى *(
avatar

المساهمات : 207
تاريخ التسجيل : 02/08/2008

مُساهمةموضوع: حديث الشيخ " الحلقة الرابعة "   31/1/2009, 7:55 pm

الرسالة

قال محمد بن إسحاق بن حسن الموصلي :
في مساء يوم الثلاثاء ، في الأسبوع الذي تلا لقاء الجارية يسار في سوق العطَّارين ، انعقد المجلس في بيت حكيم بن محمود ، كانت غرفة الاستقبال التي أعدت للطرب كبيرة واسعة ، مضاءة بعدد من الشموع الطويلة البيضاء ، وقد أحالت الليل إلى مثل النهار ، وكانت الستائر الشامية موشَّاة بالخيوط اليمانية ، وقد رتب الأثاث بشكل بديع ، ووقف طير الببغاء على رفٍ مرتفع وراح يردد بعض الأصوات والكلمات التي يسمعها من الحاضرين !
قال أبو العرفان : وكان أبو محمود يروح ويجيء ، وهو يلقي بالنكتة اللطيفة ، فيقهقه سيعد بن منصور ، وتطوق فم حسَّان ابتسامة خفيفة ، أما حبيب بن مسعود ، فقد جلس كعادته في بدء اللقاء ، معتمدًا على المائدة بكوعه ، محتضنًا وجهه براحتيه ، وقد خيَّم عليه ما يشبه الحزن .
فالتفت إليه حسَّان بن معيقيب وقال له :
- مالك يا ابن مسعود ؟ إنك في كل مرة نلتقي بها تبدأ حزينًا كئيبًا كأن هموم الدنيا قد نزلت على رأسك ، فإذا بدأنا اللهو والشراب كنت أغرقنا لهوًا وعربدة !
فضحك حبيب بن مسعود ضحكة تشبه النحيب .. وقال وهو يعتدل في جلسته ويطلق زفرة حارة .
- كالطير يرقص مذبوحًا من الألم .
وهمست الجارية :
- من الذي ذبحك يا حبيب ؟
فلم يبد عليه أنه سمع سؤالها ، ولكنه أشار إلى حسَّان وقال :
- اسمع يا حسَّان .. لقد كنت قبل أن ألتقي بحكيم ، قبل أن يعود من رحلته الأخيرة إلى بلاد شارلمان ، كنت أسير في الطريق المعبَّد ، كنت مع يسار ، أتردد على مجالس العلم ، وأصلي الأوقات في المسجد .. حتى صلاة الفجر .. وفي مثل هذا البرد ، كنت أستيقظ فأتوضأ بالماء البارد وأنا لا أشعر ببرودته ، وأذهب إلى المسجد ، كنت أحيا حياة أخرى ، أقرب إلى حياة الملائكة ، فلما التقيت بحكيم..
ونكس رأسه ، وأخذ يعصر يديه بيديه ، والجارية وحسَّان وسعيد بن منصور ، وحتى الببغاء كانت تصغي إليه ! ومضى حديثه فقال :
- انقدت إلى حكيم بلا تفكير .. سلمته الزمام فأوردني المورد الحرام .
أتدري يا حسَّان .. إننا نسير في طريق مسدود ، ليس له إلا منفذ واحد ، وهتفت الجارية بهمس أيضًا :
- إلى أين ؟
فتنهد حبيب وهو يدفع ظهره إلى الخلف وقال :
- إلى النار ..
ثم شبك بين أصابع يديه وأضاف :
- هذا إذا لم يتداركنا الله برحمته .
وسكت حبيب ، وكانت عيون الجارية قد تعلَّقت به تسأله المزيد ، وكان يبدوا كالأسير الذي لا يستطيع الفرار من أسره . ورفع رأسه ، فرأى الجارية تنظر إليه كأنها ترثي لحاله ، فسرَّه ذلك ومضى يقول :
- لقد كنت أعيش في جو مملوء بالرياحين ، كنت في جنة وارفة والظلال أما الآن .. فأنى توجهت تطالعني هوة سحيقة فاغرة فاها تريد أن تبتلعني ، هذه هي المعيشة الضنك التي ذكرها القرآن الكريم  ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكًا  .
وأقبل أبو محمود ، فأخذ الببغاء إلى غرفة أخرى ثم قال :
- إذا انتهيت من وعظك فآذني ..
فضحك الجميع ضحكة اهتزت لها جنبات الغرفة ، وأراد ابن مسعود أن يجيب ، ولكنه سمع طرقًا خفيفًا على الباب .. فصاح أبو محمود ينادي العبد :
- انظر من الباب ..
وأقبل هذا بعد قليل ، وكان كبير السن تجاوز الخمسين من العمر يرتدي ملابس بيضاء ويضع على رأسه قلنسوة من صنع الأعاجم . وأخذ العبد يشير بيديه وعينيه ، ويتكلم بصوت لا يسمعه أحد من الحاضرين ، حتى خيَّم على الجميع صمت مبعثه الرغبة في معرفة ما يريد أن يقوله العبد .
وسأل أبو محمود وهو ينظر بعينيه الزرقاوين وقال :
- ما الخبر ؟
وعاد هذا يوشوش بصوت مبهم، وهو يؤشر بيده وعينه حتى ظن البعض أن أمرًا خطيرًا قد وقع.
وصاح أبو محمود وقد نفذ صبره :
- تكلم يا رجل .
فكوَّر يديه ، وأحاط بهما فمه ، وأحنى قامته ، وأدنى رأسه وقال :
- لقد حضر يسار ..
وهتف الجميع بصوت واحد :
- من ؟!!
وأجاب مرة أخرى وهو يكوّر يديه ويدني رأسه ، وقال بصوت خافت :
- لقد حضر يسار .
وتغير وجه حبيب بن مسعود ، ونهض منفعلاً وهو يهتف :
- عملتها يا أبو محمود ؟!
وأشار هذا بيده ، وهو ينفي ما دار في خلد حبيب ، وقال :
- ماذا دهاك يا حبيب .. إني والله لا أعلم ما الذي جاء به .
فهدَّأ حبيب بن مسعود ، وسرى عنه بعض ما به ، ولكنه قال :
- إذا أردت أن تدخله ، فيجب أن ننتقل إلى غرفة أخرى ، لأني لا أرغب أن يراني هنا .
وقدح ذهن حكيم بفكرة شيطانية ، وتبسم وهو يقول :
- كما تشاء يا حبيب .
ولما غادر الجميع إلى الغرفة المجاورة ، أشار إلى الجارية أن تبقى ، ثم اقترب منها وقال بهمس :
- لقد سعى الطائر إلى الفخ .
فنظرت إليه مستفهمة وقالت :
- ماذا تعني ؟
قال : ستقابلينه .
وشهقت وهي تضرب على صدرها وقالت :
- أنا ..؟ هنا ..؟!
وأجابها وهو يحثها على فهم ما يريد :
- نعم . نعم .. ستقابلينه .
وصرخت وهي تدفعه في صدره وتتراجع إلى الخلف :
- مستحيل .
قال وهو يؤكد :
- بل هذه فرصتك .
فأصرَّت وهي تتراجع :
- أبدًا . أبدًا ..
قال وهو يخفض صوته :
- ألم تكبتي له ؟
قالت : بلى .. ولكن ..
ولمعت عيناه ، فقاطعها قائلاً :
- اسأليه الآن ..
ولم تفهم ما يريد ، فأسرعت تقول له :
- ماذا أسأله .. ما الذي تريدني أن أسأله ؟
وأشار بيده وقال :
- ألم تكتبي له ترغبين في مقابلته .. وذكرت أن لديك مشكلة ؟
قالت : بلى ..
فصعق أبو محمود وقال حاثًا :
- اعرضيها الآن .. هذا أوانها .
ولكنها أشارت بيدها جازمة :
- ولكن ليست لديَّ مشكلة .
فضرب أبو محمود على المائدة وهو يتأفف وقال :
- المهم أن تقابلينه .. قولي له ..
وسكت قليلاً ، كأنه يريد أن يتذكر شيئًا ، ولكنه عاد فقال :
- لا تتكلمي على الإطلاق .
وسألته .. وقد تقارب ما بين حاجبيها :
- لا أتكلم .. حكيم هل أنت ..
فقاطعها ..
- قابليه .. قابليه فقط .. وأنا أدبر الأمر .
ثم أشار إليها فغادرة الغرفة . وخرج أبو محمود ، ثم عاد بعد قليل وهو يقد يسارًا أمامه ، ويرحب به ترحيبًا بالغًا ، ويتعذر عن تأخره .
ودخل يسار ، بسمت مهيب وعينين صافيتين ، ولحية تطوق وجهه فتبدوا عليه المهابة والجلالة والجمال ، وجلس في صدر المكان وقال :
- حدثني قبل أسبوعين سعيد بن منصور ، فذكر لي أن لديك رسالة بخط أبي حامد الغزالي كتبها لأحد تلاميذه جوابًا عن سؤاله .
وتغابى أبو محمود ، وهو ينظر إليه لا يحير جوابًا .. فأضاف يسار قائلاً :
- لقد ذكر لي أنَّها رسالة صغيرة ورثتها عن أبيك رحمه الله .
فهز أبو محمود رأسه وقال :
- لا أظن أن لدي مثل هذه الرسالة .
وسكت قليلاً ثم أضاف :
- سأنظر في الكتب ، لعلي أجدها .
وتوارى أبو محمود قليلاً ثم عاد يحمل كتـابًا كبيرًا ضخـمًا ، فتناوله يسار وأخذ يقلب صفحاته وقال :
- هذا كتاب إحياء الدين ، بخط الناسخ عماد الدين السمرقندي ..
ثم رفع رأسه وأخذ يوضح :
- إن الذي أريده .. رسالة صغيرة قليلة الصفحات عنوانها (( أيها الولد )) كتبها الغزالي رحمه الله لأحد تلاميذه .
فتبسم أبو محمود وقال متعذرًا :
- أنت تعلم إني لا أحجب عنك شيئًا مهما كان عزيزًا ..
ثم رجع إلى الوراء وقال :
- سأعود للبحث عنها مرة أخرى ..
وقبل أن يذهب ، وقف وقال بلهجة أقرب إلى الرجاء :
- إن هنا من يرغب في مقابلتك .. إذا سمحت ؟
فتبسم يسار وقال :
- ليتفضل ..
وتوارى أبو محمود مرة أخرى ، بينما استمر يسار يقلب صفحات الكتاب الكبير ، ويقرأ بعض التعليقات والحواشي التي دوَّنها بعض النساخ عليه .
ودخلت سرشير .. تمشي على أطراف أصابعها ، بثوب طويل أبيض رفراف ، وشعر أسود طويل مجدول ، وعينين كحيلتين ، ووجه كالورد ، دخلت وهي في حالة رغيبة رهيبة ، وخطوات مقبلة مدبرة ، ونظرة شهية حيية ..
دخلت سرشير .. حتى إذا توسَّطت الغرفة رفعت صوتها بالسلام .
ولم يكن يسار قد شعر بها وهي تدخل ، ولكنه عندما سمع صوتها رفع رأسه عن الكتاب ..
والتقت العينان .. عيناه المغسولتان بماء الوضوء ، بعينيها النجلاوين الكحيلين ، فغضَّ بصره وعاد ينظر في الكتاب المفتوح بين يديه وقال :
- ما الذي جاء بك ؟
فجلست مطرقة كأنها بين يدي مؤدب ، وقد تدلَّت الضفائر السوداء على صدرها ، وعقد اللؤلؤ احتضن جيدها ، والتفت الأسورة الذهبية بشوق حول معصميها.. وغطى الثوب الأبيض قدميها.
ثم رفعت رأسها ، تمنَّت لو نظر إليها ، لو عاد ينظر إليها مرة أخرى .. فقد رأت في صفاء عينيه ونظراته ، وفي وجهه الذي تزينه اللحية ، نورًا أخَّاذًا لم ترم مثله في وجوه الرجال الذين تعرفهم .
ودون أن يرفع رأسه عن الكتاب ، قال مرة أخرى :
- ما الذي جاء بك ؟
ولكنها لم تجب ، وبقيت تنظر إليه بخشوع .. كلا .. ما هذا بشرًا .. آه لو كان جميع الرجال مثل يسار ..
ونسيت المهمة التي جاءت من أجلها ، كانت تريد أن تأسره فإذا بها أسيرة بين يديه .. أسيرة دون أن يدري آسرها بها !!
وانتظر يسار أن تجيب ، وأراد أن ينهي المقابلة بأسرع وقت فقال :
- لقد ذكرت في رقعتك بأن لديك مشكلة ..
وبدت حزينة أسيفة ، كأنها ندمت على ما أقدمت ..
ورفع رأسه يريد حثها على الكلام فقال :
- ألا تريدين أن تتكلمي ؟
والتقت العينان مرة أخرى.. نظرة بريئة متسائلة، ونظرة حزينة لوجه فتاة كأنه وجه طفلة جميلة.
واستحثَّها يسار :
- تكلَّمي ..
ولكنها انفجرت بالبكاء ، واحتضنت وجهها بكفَّيها ، ثم أسرعت تغادر الغرفة .
ما الذي أبكى الجارية ؟ ما هي المشكلة التي تعاني منها والتي لم تستطع البوح بها ؟ ولماذا تريد أن تعرضها عليه دون غيره ، وهو لم يعرفها ، ولا سمع بها من قبل ؟!!
وانتظر أبو محمود ساعة ، ثم دخل وهو يحمل بيده الرسالة التي سأل عنها يسار ، وقال وهو يناوله إيَّاها :
- أهذه التي أردت ؟
وتناولها شاكرًا ، وأخذ يقلب صفحاتها ، وينظر فيها ثم رفع رأسه ينظر إليه بامتنان زائد وقال :
- إنها هي .. لا أدري كيف أشكرك .
وتبسَّم أبو محمود وهو يتصنع الخجل وقال :
- بل أنا الذي أشكرك .. لأنك تكرمت علينا بهذه الزيارة .
ونهض يسار وهو يشد على يد أبي محمود وقال :
- سأعيدها لك بعد يومين .
قال أبو محمود ، وهو يحتفل به ويوصله إلى الباب :
- أرجو أن تقبلها هدية ..
ثم أضاف :
- ليتك تزورنا كل يوم .
قال أبو الحسن الورَّاق : ومضى يسار إلى بيته ، وفي الطريق أخذ يفكر في أمر الجارية ، ماذا تكون هذه المشكلة التي أحزنتها وآلمتها وجعلتها لا تستطيع الكلام بها .. واستحضر صورتها الجميلة وهي تدخل ، وصورتها وهي تنظر إليه حزينة أسيفة ، وصورتها وهي تبكي .. إنه لم ير في حياته فتاة في مثل جمالها ، بروعتها ، بفتنتها .. لقد وقفت على دكان أبي على الأصفهاني ، وكلمته بالفارسية ، يا لعذوبة صوتها وروعة نغمتها ..
وقبل أن يصل إلى البيت ، تذكر حديث الشيخ ، ويوسف الصديق ، وخيَّل إليه كأنه يسمع الشيخ يحذره ، فأسرع الخطو .. وطرق باب بيته ، وفتحته أخته الصغيرة سناء .. ونظرت إليه بعينيها الصافيتين ، وجهها البدري ، وابتسامتها اللطيفة الهادئة .. وسألته ؟
- أين كنت إلى هذه الساعة ؟
فاحتضن وجهها الصغير بيديه ، ثم ربت على شعرها الكستنائي وقال :
- هل صليت العشاء ؟
ونفرت من تحت يده ، كما ينفر الطائر ، وقالت :
- نعم .
وشعر يسار لأول مرة ، أن قلبه قد تكدَّر قليلاً ، فأسرع يتوضأ .. ثم وقف يصلي .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
jaounisamar
عضو جديد
عضو جديد


المساهمات : 11
تاريخ التسجيل : 17/11/2008

مُساهمةموضوع: رد: حديث الشيخ " الحلقة الرابعة "   4/2/2009, 8:44 pm

بارك الله فيك يا شيخنا الفاضل
سبحان الله
رجل ملتزم باوامر الله ومجتنب نواهيه
تقرب الى الله بالنوافل
شعر بأنس الله
تحلى باخلاق القرآن والسنة
اعطاه الله الهيبة والقبول في الارض اي قد احبه الله
صدق رسول الله عليه الصلاة والسلام (ما تركت بعدي فتنة أشد على الرجال من النساء)

أرجو يا شيخنا الفاضل النهاية تخالف المقدمة التي اخبرتنا بما آل اليه وأن يبقى صامدا بدينه مؤثرا حب الله ورسوله
لا نستطيع تخيل سقوطه

والله ما أعددنا لانفسنا من خير يمنعنا عن فتنة الدنيا كما اعد هذا الرجل الصالح
فنسأل الله الثبات ونستودعه ديننا
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
حديث الشيخ " الحلقة الرابعة "
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1
 مواضيع مماثلة
-
» أسئلة مراجعة في درس "التعرف علي نظرة الإسلام إلي الإنسان والكون والحياة" التربية الإسلامية
» (التهاون)الاحمق يستهين بتاديب ابيه"(أمثال5:15)
» لاعبٌ جزائري: إسبانيا عرضت "ترتيب نتيجة" مباراتنا في مونديال 1986
» طلب امتحانات أصول تربية "خاصة الدور الأول هذا العام"
» الرئيس " الودني

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
شبــــــــــكة منتدياتـ نور على نور :: المنتــــــــدى الأدبـــى :: القصص والروايــــــات-
انتقل الى: